مقالات

عشر ملاحظات عن زيارة البابا لاوُن الرابع عشر إلى الجزائر

عباس عروة | قام البابا لاوُن الرابع عشر بزيارة رسولية إلى الجزائر يومي الاثنين 13 والثلاثاء 14 أبريل 2026، وهي أوّل زيارة يقوم بها رئيس الكنيسة الكاثوليكية وحاكم دولة الفاتيكان إلى أرض الجزائر، فتُعتبر بذلك حدثًا هامًا في تاريخ العلاقات بين الأمة الجزائرية ذات الأغلبية المسلمة والكنيسة الكاثوليكية، وبين الدولة الجزائرية ودولة الفاتيكان.

وتدعو هذه الزيارة وما صرّح به الحبر الأعظم أثناء تواجده بالجزائر إلى الملاحظات العشر الآتية:

1▪ كان البابا لاوُن الرابع عشر قد زار الجزائر سابقًا مرّتين، في 2004 و 2013، بصفته ابنًا روحيًا للقديس أغسطينس، المولود في سوق أهراس. ورغم اختلاف مواقف الجزائريين حول آراء القديس أغسطينس وممارساته وعلاقاته بقومه وبالإمبراطورية الرومانية وقمعه للمدارس التي تخالفه، فلا شكّ أن مكانته مرموقة داخل الكنيسة الكاثوليكية ودوره أساسي في تطوّر اللاهوت المسيحي. فلا غرابة إذن أن يخصّص البابا يومًا كاملًا لزيارة عنابة (هيبّونا القديمة) أين كان القديس أغسطينس أسقفًا، وإحياء قدّاس في البازيليكا التي تحمل اسمه.

2▪ صرّح البابا لاوُن الرابع عشر خلال زيارته لمقام الشهيد بالجزائر العاصمة بأنّ: “الوقوف عند هذا النصب التذكاري هو تكريم لتاريخ الجزائر، ولروح شعب ناضل من أجل استقلال وكرامة وسيادة هذه الأمّة”[1]. وفي هذا التكريم تباين صريح وموفّق مع موقف الكنيسة الكاثوليكية عند بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر منذ ما يقارب القرنين، وممارساتها أثناء الحقبة الاستعمارية. وهذا ما يفسّر ردود الفعل الهستيرية لبعض النخب الفرنسية التي تحنّ إلى “الجزائر الفرنسية”، خاصة من اليمين المتطرّف.

3▪ عند الحديث عن الكنيسة الكاثوليكية أوّل ما يمرّ بخاطر المواطن الجزائري الكاردينال شارل لافيجري الذي ساند الاحتلال والاستعمار الفرنسي للجزائر وأنشأ فيها سنة 1868 جمعية المبشرين المعروفة بـ”الآباء البيض” وكرّس جهوده لتنصير الشعب الجزائري ومن خلاله الشعوب الأفريقية. لكن الكنيسة الكاثوليكية هي أيضًا المواقف المشرّفة للعديد من أبنائها الذين دعموا حقّ الجزائريين في الاستقلال. لم تدعم الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة الثورة الجزائرية رسميًا، فكانت تتضمن تيارات متناقضة، حيث أيّد بعض أعضائها الاستقلال الجزائري بنشاط، في حين ظلت الهرمية الكنسية في الجزائر مرتبطة بالمجتمع الاستعماري الأوروبي. ورغم أنّ العديد من الكاثوليك في الجزائر كانوا يؤيدون بقاء الجزائر فرنسية، إلا أنّ بعض الرهبان والكهنة الفرنسيين، والعديد من النشطاء السياسيين الفرنسيين بدافع عقائدي مسيحي (خاصة تيار اليسار المسيحي)، أيّدوا النضال من أجل الاستقلال ونشطوا ضد العنف والتعذيب أو ضمن شبكات الدعم الإعلامي أو اللوجستي للثورة، منهم مثلًا المفكر الكاثوليكي أندريه ماندوز، والصحفي روبرت بارات، نائب مدير مجلة “الشهادة المسيحية”، والأخت بول-هيلين سانت-رايموند، الراهبة من جمعية “الأخوات الصغيرات لانتقال العذراء”، والكاهن بيير ماميت من “بعثة فرنسا”، والقسّ اليساري روبرت دافيزي، والكاردينال ليون دوفال الذي ناصر حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره إلى درجة أنه لُقّب من طرف المستعمرين بـ”محمد دوفال”.

4▪ الكنيسة الكاثوليكية هي كذلك جهود جماعة سانت إيجيديو التابعة للفاتيكان، التي تنشط في مجال العمل الإنساني وحوار الأديان وبناء السلم، والتي سعت في 1994-1995 لتسهيل الحوار بين الجزائريين لإيجاد حلّ سياسي سلمي للأزمة السياسية والأمنية التي كانت تعيشها الجزائر عقب الانقلاب العسكري على الشرعية الشعبية في يناير 1992. ونجحت الجماعة في تسهيل لقاءات أفضت في بداية يناير 1995 إلى توافق بين الفرقاء الجزائريين على أرضية سياسية متمثلة في “العقد الوطني” الذي تبقى معظم مواده صالحة إلى اليوم. لكن النظام رفض المبادرة، وصرّح الناطق الرسمي باسم الحكومة الانقلابية آنذاك، أحمد عطّاف، وزير الخارجية الحالي الذي رافق الحبر الأعظم خلال زيارته للجزائر، بأنّ العقد الوطني “نرفضه جملة وتفصيلًا”، وبأنّ “المحادثات التي جرت في روما والوثيقة التي صدرت إثرها تُعتبر لا حدث”. وقام النظام الجزائري آنذاك بحملة شرسة ضد جماعة سانت إيجيديو الكاثوليكية، وبتخوين المشاركين في لقاءات جرت “تحت الصليب” (أنظر الملحق). بعد مرور ثلاثين عامًا، يبدو أن السيد عطاف احتفظ بالكنيسة وتخلى عن التفاصيل، مما يثبت أنّ في السياسة يمكن أن تصبح هرطقة الأمس بروتوكول اليوم.

5▪ الكنيسة الكاثوليكية هي أيضًا سيرة رهبان تيبحرين، الذين كانوا يعيشون في سلام ووئام مع المجتمع المحلي المسلم وكرّسوا جهودهم لخدمته، خاصة في المجال الصحي، والذين اختُطفوا، بعد سنة من توقيع العقد الوطني في روما، من دير سيدة الأطلس بالقرب من مدينة المدية في مارس 1996، ثم تمّ اغتيالهم بعد شهرين بشكل بشع. وإلى يومنها هذا، أي بعد ثلاثة عقود من اغتيالهم، لم يُعثر على جثثهم ولم يُنشر تحقيق شفاف حول الجريمة ولم تُقم محاكمة لأي مشارك فيها، بل بقي النظام يروّج لروايته المعهودة باتهام “الجماعات الإرهابية”، في الوقت الذي تتّهم جهات عدة النظام نفسه بتوّرطه في مقتل الرهبان وغيرهم كأسقف وهران بيار كلافري في أغسطس 1996، وعدد من المتدينين المسيحيين في الجزائر.

6▪ أشاد البابا لاوُن الرابع عشر في جامع الجزائر بـ”الحسّ الديني العميق لشعب الجزائر”[2] وهذه حقيقة تاريخية، فقد تقبّل هذا الشعب على مرّ العصور جميع الرسالات السماوية: اليهودية، ثمّ المسيحية، ثم الإسلام خاتم الأديان. كما صرّح الحبر الأعظم في مقام الشهيد بأنّ: “كلّ شعب يحتفظ بتراث فريد من التاريخ والثقافة والإيمان. وتمتلك الجزائر أيضًا هذا الغنى الذي عزّز مسيرتها في الأوقات الصعبة، ولا يزال يوجّه مستقبلها. في هذا التراث، يحتلّ الإيمان بالله المقام الأوّل: فهو ينير حياة الناس، ويسند ويدعم العائلات، ويُلهم روح الأخوّة. والشعب الذي يحب الله يمتلك الغنى الحقيقي، وشعب الجزائر يحتفظ بهذه الجوهرة في خزائن كنوزه.”[3] وهذه أيضًا حقيقة تاريخية، فالإيمان بالله هو الطاقة الروحية التي جعلت الشعب الجزائري يواجه كافة المِحن التي مرّ بها عبر التاريخ ويتجاوزها، ويصمد في وجه طغيان الاستعمار الفرنسي طوال 132 سنة.

7▪ كما أشار البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته في جامع الجزائر إلى خطورة الاستقطاب الأيديولوجي على تماسك المجتمع، معتبرًا أنه: “إِن نظرنا جيّدًا، نجد أنّ المجتمع الجزائريّ أيضًا يعيش تجاذبًا بين الحسّ الديني والحياة الحديثة. هنا، كما في كلّ أنحاء العالم، أخذت بالظهور ديناميات متعارضة من الأصولية أو العلمنة، يفقد بسببها كثيرون الإحساس الحقيقي بالله وبكرامة جميع مخلوقاته. إذّاك، يمكن أن تصير الرموز والكلام الديني، من جهة، لغة تجديف وعنف واستقواء، ومن جهة أخرى، علامات بلا معنى، في سوق الاستهلاك الكبير الذي لا يشبع فيه أحد.”[4] وجدير بالتأكيد على أن الاستقطاب بين جانبي الطيف الأيديولوجي المتطرفَين، في الجزائر، هو ما يعوق الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية ودولة القانون ويمدّ في عمر الاستبداد.

8▪ جاءت زيارة الحبر الأعظم إلى الجزائر في مرحلة صعبة تشهد فيها البلاد انغلاقًا سياسيًا حادًا، وقمعًا قضائيًا، وانكماشًا غير مسبوق للحريات، خاصة حرية التعبير والتجمع، وتهميشًا واسعًا للمواطنين والشباب على وجه الخصوص الذي فقد الأمل في حياة كريمة ومستقبل واعد في بلده. وفي زيارته إلى جامع الجزائر، استشهد البابا لاوُن الرابع عشر بما كتبه سلفه البابا فرنسيس عن أنه “من الضروري أن نفكر في المساهمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بطريقة تشمل الحركات الشعبية وترفد المؤسسات الحكومية المحلية والوطنية والدولية بتلك الطاقة الأخلاقية التي تنشأ عن إشراك المستبعدين في بناء المصير المشترك”[5]، ودعا السلطات الجزائرية بأسلوب صريح وقوي إلى انتهاج سياسات عادلة، تشاركية، غير إقصائية، قائلًا: “لذلك أدعوكم، أنتم أصحاب السلطة في هذا الوطن، إلى عدم الخوف من هذه الرؤية، وإلى تعزيز مجتمع مدني نابض بالحياة، مجتمع ديناميكي، وحر، يعترف بقدرة الشباب، خاصة، على المساهمة في توسيع آفاق الرجاء من أجل الجميع. قوّة البلد الحقيقية هي في تعاون الجميعِ لتحقيق الخير العام. فالسلطات ليست مدعوة إلى السيطرة، بل إلى خدمة الشعب وازدهاره. لذلك، يجد العمل السياسي معياره في العدل، الذي بدونه لا يوجد سلام حقيقي، ويتجلى في توفير ظروف متساوية وكريمة للجميع.”[6] نأمل أن تتأثر السلطات الحاضرة بهذا الخطاب، فتغيّر نهجها وممارساتها إلى ما هو أفضل.

9▪ يُبدي البابا لاوُن الرابع عشر نفس التعاطف الذي كان يبديه البابا فرنسيس مع الحرّاڤة. فمثلًا، من المقرّر أن يقوم في 4 جويلية القادم بزيارة إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وهي رمز لاستقبال الحرّاڤة على ضفاف أوروبا. وستكون الزيارة بمثابة رسالة قوية إلى تيار اليمين المتطرّف في العالم وعلى رأسه دونالد ترمب، في يوم الاستقلال الأمريكي، من طرف البابا، الذي هو أيضًا المواطن الأمريكي روبرت فرنسيس بريفوست. وصرّح البابا في زيارته إلى جامع الجزائر: “البحر الأبيض المتوسط من جهة، والصحراء من جهة أخرى، هما في الواقع مفترق طرق جغرافي وروحي بالغ الأهمية. إِنْ تعمقنا في تاريخهما، بعيدًا عن التبسيطات والأيديولوجيات، وجدنا فيهما كنوزًا هائلة مخفية من الإنسانية، لأن البحر والصحراء هما أماكن للغنى المتبادل بين الشعوب والثقافات، منذ آلاف السنين. الويل لنا إِن حولناهما إلى مقابر يدفن فيها الرجاء!”[7]، ملمّحًا إلى الأعداد الضخمة من الجزائريين والأفارقة – ومعظمهم من الشباب – الذين يفرّون من وطنهم طلبًا للعيش الكريم، والذين يلقَون حتفهم في رمال الصحراء اللاهبة أو في أمواج البحر الأبيض المتوسط العاتية. ونرجو أن يجد الحبر الأعظم آذانًا صاغية لدى النظام الجزائري فيراجع مقاربته لظاهرة الحرڤة ويعالج جذورها السياسية والاقتصادية عوض استغلالها كورقة ضغط ومقايضة لملاحقة معارضيه في أوروبا أو الحصول على تأشيرات لتنقّل أصحاب الامتيازات من النظام في الدول الأوروبية.

10▪ كما لم يفت الحبر الأعظم، الذي يتصدّى لليمين المتطرّف ويقف في وجه ترامب ويندّد بسياساته العدوانية، إلى درجة أنه جرى بينهما في الأيام الأخيرة سجال علني بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أن يشير في كلمته في جامع الجزائر إلى ما ينبغي أن تكون عليه السياسة الخارجية الجزائرية التي تميّزت على مرّ عقود بمناصرة القضايا العادلة في العالم، فقال: “إنّ الأحداث التاريخية المأساوية التي جرت في الماضي زوّدت بلدكم بنظرة عميقة ثاقبة على التوازنات العالمية. إنْ عرفتم أنْ تدخلوا في حوار مع مطالب الجميع، وأنْ تتضامنوا مع آلام دول كثيرة قريبة وبعيدة، ستكون خبرتكم قادرة على الإسهام في رؤية وتحقيق المزيد من العدل بين الشعوب. في الواقع، يمكنكم أنْ تصيروا فاعلين أساسيين في مسار جديد للتاريخ، ليس بتفاقم سوء الفهم والصراعات، بل باحترام كرامة كلّ إنسان، والشعور بألم الآخرين، وهو أمر ضروري ومُلحّ اليوم أكثر من قبل أمام انتهاكات القانون الدولي المستمرة، والنزعات ذات الطابع الاستعماري الجديد.”[8] فهل يجد البابا تجاوبًا لدى سلطات اختارت الانبطاح لإدارة ترامب، كما تشير إليه تصريحات سفير الجزائر في واشنطن صبري بوقدوم، وتصويت الجزائر لصالح قرار مجلس الأمن المجحف بخصوص غزة، وغياب موقف دبلوماسي عادل من العدوان الأمريكي على فنزويلا وإيران وكوبا؟ نأمل ذلك.

ملحق: مبادرة سانت إيجيديو

من المشاورات التحضيرية إلى التوقيع على العقد الوطني

في خريف 1994، أي نحو ثلاث سنوات بعد انقلاب 11 يناير 1992، عرفت فيها الجزائر عنفًا شديدًا وقمعًا راح ضحيته حينها ما يقارب 30 ألف مواطن، بدأت جماعة سانت إيجيديو[9]،[10] الإيطالية مشاورات مع العديد من القوى السياسية لاستكشاف إمكانية تنظيم حوار بينها لتدارس الوضع الجزائري والبحث معًا عن سبل معالجة الأزمة الحادة التي كانت تمرّ بها البلاد.

استعان البروفيسور أندريا ريكاردي في مشاوراته مع الأطراف الجزائرية بالدكتور محمد السليماني ابن الشيخ الحسين السليماني أحد الوجوه التي تحظى بالاحترام في مدينة المديّة، الذي كانت تربطه به علاقة صداقة منذ منتصف الثمانينيات والذي كان على تواصل مع معظم القوى السياسية في الجزائر. وحسب شهادة ماركو إمبالياتسو الأمين العام لجماعة سانت إيجيديو آنذاك، فإنّ محمد السليماني هو من حثّهم للعمل من أجل إحلال السلم في الجزائر، وكان ذلك في سبتمبر 1994 أثناء انعقاد لقاء أسيزي بين الأديان[11].

قامت سانت إيجيديو يوم 3 نوفمبر 1994 بدعوة عدد من الأطراف السياسية الفاعلة لحضور ورشة تمهيدية لتقريب وجهات النظر بشأن تشخيص الأزمة الجزائرية واستكشاف سبل الخروج منها. نُظّمت الورشة التمهيدية في مقرّ الجماعة بروما يومي 21 و22 نوفمبر 1994، وحضرها كلّ من الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجبهة التحرير الوطني، وجبهة القوى الاشتراكية، والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر، وحزب العمال، وحركة النهضة، وحركة الجزائر المسلمة المعاصرة، وحزب التجديد الجزائري، وحركة المجتمع الإسلامي. وأُرسلت أيضًا دعوة إلى السلطات الجزائرية عن طريق وزير الخارجية آنذاك، محمد صالح دمبري، لإيفاد ممثلّ يحضر اللقاء، لكنّها قوبلت بالرفض.

تبع هذا اللقاء لقاء ثانٍ دام خمسة أيّام (من 9 إلى 13 جانفي 1995) – تغيّب عنه حزب التجديد الجزائري وحركة المجتمع الإسلامي – دارت خلاله نقاشات واسعة ومعمّقة شملت مختلف أبعاد الأزمة الجزائرية، وأفضت إلى التوقيع على “العقد الوطني”[12]، كأرضية من أجل حلّ سياسي وسلمي للأزمة الجزائرية. واجتهد المشاركون أثناء اللقاء للتوصّل إلى مجموعة من القيم والمبادئ المشتركة العابرة للأيديولوجيات والتي تشكّل الإطار العام للعمل معًا من أجل إعادة إحلال السلام في البلاد والعودة إلى الشرعية الدستورية وضمان السيادة الشعبية. ومن بين القِيَم والمبادئ رفض العنف وكلّ أشكال الديكتاتورية واحترام حقوق الإنسان والتناوب السياسي والشرعية الشعبية وضمان الحريات الأساسية، وتكريس التعددية وعدم تدخل الجيش في الشؤون السياسية واحترام مكونات الشخصية الجزائرية، إلخ. ولعلّ من القضايا الشائكة التي أخذت وقتًا طويلًا من النقاش كانت علاقة الدين بالنظام السياسي، وفي الأخير، اتّفق الجميع على تبنّي صيغة بيان أوّل نوفمبر التي تحظى بإجماع وطني، أيْ “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية والاجتماعية في إطار مبادئ الإسلام”.

لا شكّ أنّ مثل هذه الندوة بين أطراف سياسية جزائرية كان من الأفضل عقدها في الجزائر، لكن السلطات لم تفسح المجال لأيّ لقاء بين الجزائريين لتدارس أوضاع بلدهم. وتجدر الإشارة إلى أنّ مسار سانت إيجيديو لم يتعدّ حدود تسهيل الحوار وتوفير المتطلّبات اللوجستية للقاء الأطراف دون تدخّل الفريق المسهّل، المكوّن أساسًا من أندريا ريكاردي وماركو إمبالياتسو وماريو جيرو، في مضمون المحادثات، وكان هذا أحد الخطوط الحمراء التي وضعها المشاركون، معتبرين الأزمة جزائرية-جزائرية تتطلّب حلولًا جزائرية.

ردود فعل السلطات الجزائرية

كان موقف السلطات الجزائرية سلبيًا من مبادرة سانت إيجيديو من البداية إلى النهاية. فقد حاولت ثني المشاركين عن الذهاب إلى روما باستصدار فتوى من أحد أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى ينصح فيها المسلمين بعدم حضور لقاء روما[13] ورفض الاجتماع “تحت الصليب”[14]، وحاولت منع انعقاد اللقاء عبر سفير الجزائر في روما الذي تدخّل لدى جماعة سانت إيجيديو، وعن طريق بطرس بطرس-غالي الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك الذي حاول ثني الجماعة عن الاستمرار في عملية تسهيل الحوار الجزائري واتّصل بماتيو زوپي وأندريا ريكاردي لهذا الغرض،[15] مع أنه أثنى في السابق على عمل الجماعة في موزمبيق. كما حاولت السلطات إفشال المبادرة عبر ممثّليها الذين أرسلتهم إلى لقاء نوفمبر 1994 التمهيدي لعرقلة المحادثات لكنها لم تنجح في ذلك.

وعند التوقيع على العقد الوطني كان ردّ فعل السلطات فوريًا، فصرّح أحمد عطّاف الناطق الرسمي باسم الحكومة بأنّ العقد “نرفضه جملة وتفصيلًا”[16] وبأنّ “المحادثات التي جرت في روما والوثيقة التي صدرت إثرها تُعتبر لا حدث”[17]، واتّهم “قوى ومؤسسات دولية تتحرّك من وراء جمعية سانت إيجيديو”[18]، كما قام النظام وأذرعه الإعلامية بتخوين الموقّعين على العقد الوطني.

لقيَت السلطات دعمًا داخليًا لرفضها العقد الوطني من طرف الأحزاب والتنظيمات الموالية لها مثل التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي اعتبر العقد الوطني “استفزازًا يعيد طرح مطالب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المرفوضة في الجزائر”[19]، أو حزب التحدّي الشيوعي الذي رأى أنّ “الأصولية فقط ستستفيد من هذه الاتفاقية لفرض استراتيجيتها”[20] أو بعض الجمعيات النسوية التي نشرت نداءً بعنوان “سانت إيجيديو تريد قتلي”[21]. كما حشدت السلطات “مسيرات شعبية” ضدّ سانت إيجيديو.

أمّا على الصعيد الخارجي، فقد لقيت مبادرة سانت إيجيديو في البداية ترحيبًا من العديد من العواصم الغربية مثل روما ومدريد وواشنطن ومن المفوضية الأوروبية، وحتى من باريس حيث صرّح آلان جوپي، وزير الخارجية الفرنسية، يوم 19 جانفي 1995: “تابعت فرنسا باهتمام بالغ المناقشات التي جرت في روما، وبشكل أعم في إيطاليا، برعاية جماعة سانت إيجيديو، وقد أكدتُ مجددًا أن موقفنا الثابت طوال أشهر طويلة هو الدعوة إلى الحوار. آمل أن يبدأ هذا الحوار. بالطبع، الأمر متروك للقوى السياسية الجزائرية لتقرر. […] لن نملّ من الدعوة إلى الحوار، لأنه لا حل في المواجهة والعنف.”[22]

أطلقت الحكومة حينها حملة دبلوماسية[23] مكثفة لثني الدول الغربية عن مساندة مبادرة سانت إيجيديو. فقام عبد القادر تفّار، الأمين العام لوزارة الخارجية، يوم 16 جانفي 1995، أيْ ثلاثة أيام بعد التوقيع على العقد الوطني، باستقبال السفراء الأوروبيين، بينما دعا الرئيس الجنرال ليامين زروال في نفس اليوم سفراء الجزائر في العديد من العواصم الغربية لحثّهم على شرح الموقف الجزائري الرسمي من المبادرة.

ولجأ النظام الذي كان في حالة ضعف على المستوى السياسي والاقتصادي حينها إلى استراتيجية تستند إلى ركيزتين أساسيتين الأولى هي مجموعة من التنازلات السياسية والاقتصادية (فتح حقول النفط للشركات الغربية والتوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية التي كانت الجزائر ترفض التوقيع عليها لاعتبارات مبدئية، والوعود بالتطبيع مع إسرائيل)، والركيزة الثانية هي ارتكاب جرائم في حق أجانب مقيمين في الجزائر والتلميح بتهديدات أمنية على الأراضي الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص بتصدير الإرهاب. تراجع بعد ذلك الموقف الغربي الذي رحّب في البداية بمبادرة سانت إيجيديو، تحت تأثير القوى الداعمة للنظام الجزائر داخل المنظومة السياسية-الأمنية-الاقتصادية الفرنسية.

هدر النظام الجزائري بذلك فرصة تاريخية لإنهاء الأزمة، فاستمرّ العنف والعنف المضاد خمس سنوات أخرى عرفت اعتقالات على نطاق واسع وتعذيبًا ممنهجًا واختفاءات قسرية بالآلاف ومجازر طالت المدنيين العزّل، وارتفع عدد الضحايا من حوالي 30 ألف في بداية 1995 إلى نحو ربع مليون في 1999.


[1] الزيارة الرسولية لقداسة البابا لاوُن الرابع عشر إلى الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية، 13–23 نيسان/أبريل 2026.

https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/travels/2026/documents/africa-13-23aprile2026.html

[2] نفس المصدر.

[3] نفس المصدر.

[4] نفس المصدر.

[5] نفس المصدر.

[6] نفس المصدر.

[7] نفس المصدر.

[8] نفس المصدر.

[9] سانت إيجيديو جماعة مسيحية تنشط في مجال العمل الإنساني وحوار الأديان وبناء السلم، أسستها في 1968 مجموعة من الشباب الإيطالي من بينهم أندريا ريكاردي، الذي كان يديرها في منتصف التسعينيات. وكانت جماعة سانت إيجيديو قد اشتغلت في السابق على العديد من الخلافات العنيفة، لعلّ أهمّها الخلاف في موزمبيق، حيث توصّلت في خريف 1992، بعد عملية وساطة دامت زهاء ثلاث سنوات، إلى توقيع اتفاق بين أطراف الخلاف في موزمبيق وضع حدًا لحربٍ أهلية دامت خمسة عشر عامًا.

[10] Emmanuel Dupuy. Géopolitique de la diplomatie informelle : L’exemple de la communauté de Sant’Egidio. Mai 2007. Académie de Géopolitique de Paris.

GÉOPOLITIQUE DE LA DIPLOMATIE INFORMELLE : L’EXEMPLE DE LA COMMUNAUTÉ DE SANT’EGIDIO

[11] Jean-Baptiste Rivoire. Le crime de Tibhirine: Révélations sur les responsables. La Découverte. Paris (2011).

[12] العقد الوطني: أرضية من أجل حل سياسي وسلمي للأزمة الجزائرية (https://bit.ly/3puWLRZ)

[13] Jean-Baptiste Rivoire. Op. cit.

[14] ردّ عدد من المشايخ منهم الشيخ علي بن حاج على هذه الفتوى بأنها ادعاء باطل لأنّ السياسيين الجزائريين قبلوا الالتقاء في الخارج اضطرارًا بعد أن منعت السلطات كلّ تجمّع سياسي لا يتماشى مع مقاربتها الأمنية للأزمة الجزائرية، وأشاروا إلى هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة المسيحية بأمر من الرسول (ص) كدليل على عدم حرمة اللجوء إلى ديار المسيحية إذا كان يسودها العدل. كما كشفوا عن تلاعب النظام الذي “كان ليرفض العقد الوطني حتى لو تمّ توقيعه في مكة المكرّمة”.

[15] Nikolai Hegertun. Faith-based Mediation? Sant’ Egidio’s peace efforts in Mozambique and Algeria. Master Thesis, Peace and Conflict Studies, Universitetet I Oslo, May 2010.

[16] Baudouin Loos. Le régime algérien rejette l’offre de l’opposition. Le Soir (Bruxelles). 19 janvier 1995 (https://bit.ly/2UMwXTl).

[17] نفس المصدر.

[18] نفس المصدر.

[19] نفس المصدر.

[20] نفس المصدر.

[21] نفس المصدر.

[22] Déclarations de M. Alain Juppé, ministre des Affaires étrangères, sur les priorités de la France pour sa présidence de l’Union européenne. Vie publique, 16 janvier 1995. (https://bit.ly/4tQZpSy)

[23] Baudouin Loos. Op. cit.

عباس عروة | مؤسس و عضو المجلس الوطني لحركة رشاد

Dix observations sur la visite du pape Léon XIV en Algérie