الفكر سياسي وحدة الدراسات

عن القانون العضوي رقم 26-08 المؤرخ في 23 أبريل 2026 المتعلق بالأحزاب السياسية:

سيادة القانون أم ديكتاتورية بالقانون؟ | PDF | Français

رشاد، 7 مايو 2026

المحتوى

1.                         الإطار الدستوري.. 2

2.                         عن حرية تأسيس حزب.. 2

3.                         عن إجراءات تأسيس الأحزاب.. 3

4.                         عن شروط الحوكمة الديمقراطية داخل الأحزاب.. 3

5.                         عن المالية والشفافية. 4

6.                         عن الأحزاب والمجتمع. 4

7.                         عن مكافحة التمييز.. 5

8.                         بشأن تعليق نشاط الأحزاب وحظرها 5

9.                         سلطة وزير الداخلية. 6

10.                       الجزائر: أحزاب سياسية في وضع الاستعداد العسكري، باستثناء حزب واحد. 7

11.                       الكلمة الأخيرة. 8

كان علي عزت بيغوفيتش يقول إن السلطة حقيقة واقعة وليست قانوناً، وإن القانون يبدأ حيث تبدأ قيود هذه السلطة.[1] في الأنظمة الديكتاتورية، الغرض من القانون هو حماية النظام، وليس المواطن. فالقانون هناك أداة لفرض إرادة النظام الاستبدادي وإدامته مع إخفاء أفعاله.[2] ورغم أن النصوص القانونية في هكذا نظام تبدو، على الورق، تعبيرًا عن سيادة القانون، فهي في الواقع استبداد للشعب بالقانون. ويقدم القانون العضوي رقم 26-08 المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي اعتمده المجلس الوطني الشعبي في 9 مارس 2026، وصادق عليه مجلس الأمة في 17 أبريل، وأصدره عبد المجيد تبون في 23 أبريل، مثالاً صارخًا وبائسًا على ذلك.

تهدف هذه المذكرة إلى إثبات ذلك. ولهذا الغرض، سيتعين علينا أولًا وصف الإطار الدستوري الذي يندرج فيه هذا القانون العضوي، قبل أن نقدم نقدًا سياسيًا لمفهومه الخاص بحرية تأسيس الأحزاب وللإجراءات التي يفرضها عليها. ثم ستتناول المذكرة متطلبات الحكم الديمقراطي والشفافية المالية التي يفرضها هذا القانون، قبل أن تسلط الضوء على نمط العلاقات بين الأحزاب والمجتمع الذي ينطوي عليه. وبعد تعليق موجز على المحتوى التمييزي لهذا القانون، سيتم التركيز على تحليل التدابير التي ينص عليها لتوقيف نشاط حزب ما أو حله، ثم على سلطة وزير الداخلية في هذه البنية القانونية التي أُقيمت لإدارة الأحزاب السياسية، وهي الوحدات التنظيمية الأساسية للسلطة التشريعية.

يُخضِع القانون العضوي رقم 26-08 الأحزاب السياسية لنظام تقييدي صارم، قائم على مجموعة من الالتزامات وتدابير الرقابة والعقوبات أغلبها في يد السلطة التنفيذية. ومع ذلك، ومن المفارقات، أن هذا النص قد تم التصويت عليه من قِبل المجلس الوطني الشعبي، أي السلطة التشريعية، التي يعتمد توازنها مع السلطة التنفيذية بشكل أساسي على استقلالها عنها. لذا، من المناسب قراءة ما تعنيه هذه المفارقة بالنسبة للنظام السياسي الجزائري. وستختتم هذه المذكرة بدعوة لتقديم مشاريع قوانين بديلة لتنظيم الأحزاب والانتخابات.

1.    الإطار الدستوري

يستند القانون العضوي رقم 26-08 المتعلق بالأحزاب السياسية إلى المادة 57 من دستور عام 2020 التي تحدد الإطار الذي يُنظِّم وجود الأحزاب السياسية وأنشطتها. معلوم أن دساتير الديمقراطيات تضمن حرية تشكيل الأحزاب، والمساواة في المنافسة السياسية، وكذلك الحماية من الحظر والتدخل التعسفي. للوهلة الأولى، يبدو أن المادة 57 من الدستور تعكس هذه الضمانات، لكن التشابه شكلي فقط. فالمادة 57 «تعترف وتضمن» الحق في تشكيل الأحزاب، لكنها تحترز عليه على الفور بتحفظات سياسية وأيديولوجية غامضة وغير محددة، خلافًا للقيود القانونية – في الأنظمة الديمقراطية – التي تتميز بالحصر ودقة التعريف وقابلية الطعن القضائي فيها. فتحظر هذه المادة الأحزاب التي تسعى إلى تشكيل نفسها «على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جنساني أو نقابي أو إقليمي»، وهو منعٌ يهدف ظاهريًا إلى تفادي التشرذم السياسي، لكنه في الواقع يحظر أشكالًا كاملة من التمثيل السياسي، على عكس العديد من الأنظمة الديمقراطية حيث الأحزاب الإقليمية أو اللغوية أو الهوياتية قانونية تماماً ومندمجة في التعددية الديمقراطية.

في الديمقراطيات، يكرس الدستور حرية تشكيل الأحزاب كمبدأ، وتكون القيود فيه استثنائية، أما القانون الجزائري فيعمل في الاتجاه المعاكس: فالقيود واسعة النطاق لدرجة أنها تفرغ حرية تشكيل الأحزاب من جوهرها، إلى درجة تجعلها شبه عديمة الفعالية. بعبارة أخرى، وسنرى كيف يتمّ ذلك، عندما ينص الدستور على حرية ما، يمكن للقانون العضوي رقم 26-08 أن يجعل ممارستها وهمية من خلال وضع عوائق بعناية.

2.    عن حرية تأسيس حزب

«يمارس الحزب السياسي المعتمد نشاطاته بكل حرية»، حسب المادة 4 من القانون العضوي رقم 26-08. لكن في الواقع، تخضع هذه الحرية لالتزام أيديولوجي محدد في المادة 5 (مثل «ثوابت» و«تاريخ» الأمة، و«مقتضيات الأمن») والمادة 6 (مثل «مصالح الأمة»)، وهي مصطلحات ذات معانٍ مطاطة، أيديولوجية في المقام الأول، ومصاغة عمدًا بطريقة غامضة ومبهمة. ويخالف هذا الافتقار إلى الدقة مبدأ الشرعية، وهو مبدأ قانوني أساسي معترف به في القانون الجزائري. ويتطلب هذا المبدأ أن تُكتب القوانين بعبارات واضحة ومتوقعة لأي شخص، مما يضمن الأمن القانوني للمجتمع بأسره. وعلى العكس من ذلك، عندما يتم اختيار مصطلحات غامضة عن عمد، فإن الهدف منها عمومًا هو ترك هامش واسع من التفسير للسلطات، مما يسمح لها بمنح هذه الحرية لمن تشاء وحرمانها ممن ترغب في استبعادهم. وهذا هو جوهر التعسف في القانون. في الديمقراطية الحقيقية، تعد الأساطير التأسيسية للدولة وتاريخها والهويات والأديان واللغات والأمن والدفاع مواضيع سياسية مشروعة، ومحورية في النقاشات العامة، ومحمية بحرية التعبير. لكن هذا القانون يجعل منها أدوات، و«طواطم»[3] تستحوذ عليها مجموعة، لفرض من يمكنه الانضمام إليها ومن يُستبعد منها.

تمنع المادة 23 من القانون العضوي المشاركة في تأسيس حزب سياسي على «كل شخص مسؤول عن استغلال ثوابت الأمة التي أفضت إلى المأساة الوطنية، و/أو أي شخص مسؤول عن استغلال الدين، الهوية أو اللغة أو ينتمي إلى أشخاص وكيانات مسجلين في القائمة الوطنية للإرهاب»[4]. في حين أنه في أي ديمقراطية حقيقية، يجب أن تكون القيود المفروضة على الحقوق السياسية محددة وذات طابع قانوني، فإنها هنا عبارة عن شعارات أو إدانات سياسية، غامضة بما يكفي لتطبيقها على أي معارض. في الديمقراطيات، يحتفظ حتى المتطرفون بحقوقهم السياسية، ما لم تتم إدانتهم بشكل فردي وإخضاعهم لقيود قضائية، في حين أن هذه المادة ترسّخ التصفية السياسية والاقصاء السياسي الجماعي على أساس مجرد حكم سياسي وأخلاقي أحادي الجانب – وبالتالي متحيز.

وتثير هذه الأحكام القلق بشكل أكبر لعدم وجود أي ضمانات إجرائية أو سبل انتصاف فعالة للطعن في القرارات المتخذة على أساسها. ولا تعرف المادة 23 من القانون من يحدد المسؤولية «التي أدت إلى المأساة الوطنية»، وعلى أساس أي أدلة، ووفقًا لأي إجراء. والإجابة واضحة: إن الشرطة السياسية هي التي تقرر ذلك عن طريق الإدارة. ويخضع هذا التحديد لرأي إداري صادر عن المديرية العامة للأمن الداخلي.

وبموجب هذه المادة، فإن مجرد الاشتباه بالانتماء أو التعاطف السابق يؤدي إلى إقصاء نهائي، يشبه الإعدام السياسي النهائي، دون أي حق في الطعن أو العفو. وفي الديمقراطيات، يمكن حتى لمرتكبي الجرائم الخطيرة استعادة حقوقهم السياسية بعد قضاء مدة عقوبتهم. لكن ما تم إقراره في الجزائر بموجب هذا القانون هو حظر أحادي الجانب للمشاركة في الحياة السياسية، دون أي حد زمني، ودون أي آلية للطعن أو إعادة التأهيل، ودون أي قابلية للتنبؤ أو التناسب. إنه مثال نموذجي على احتكار التاريخ الوطني لتوظيفه كقانون، وعلى استبدال التحقيق والحكم العادل بذاكرة المستبد. لا تُنظِّم المادة 23 حرية المشاركة في الحياة الديمقراطية، بل تُزوِّد الشرطة السياسية مسبقًا، عبر وزير الداخلية، بالأداة شبه القانونية لإقصاء من تشاء.

وهكذا، فإن المواد 5 و6 و23 من هذا القانون العضوي تبطل مقاصد أحكام المادة 57 من دستور عام 2020 المتعلقة بالأحزاب السياسية تمامًا.

أما أولئك الذين يرغبون في ممارسة حقهم الدستوري في خارج هذه الحدود، فستتم معاقبتهم بموجب المادة 90. وينص هذا البند على غرامات باهظة ضد «كل شخص يسير حزبًا سياسيًا غير معتمد أو يستمر في تسيير حزب سياسي تم توقيف نشاطه أو حله» وحتى «كل شخص ينشط في حزب سياسي غير معتمد أو يستمر في النشاط ضمن حزب سياسي تم توقيف نشاطه أو حله». يستهدف هذا الحكم على وجه التحديد الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهو حزب تم حله وتم منع أعضائه فعليًا من ممارسة النشاط السياسي حتى قبل صدور هذا القانون، لكنه يستهدف أيضًا أي حزب آخر قد يعاقبه النظام بتوقيف نشاطه أو حله. بعبارة أخرى، إذا كان الحزب غير مرخّص – أو إذا تم توقيف نشاطه – فإن قيادته أو العمل فيه لا يجعلك منشقًا، بل مجرمًا. هنا تصبح ممارسة السياسة دون ترخيص عملًا يستحق العقاب، على عكس الديمقراطيات حيث يعد الحق في تشكيل الأحزاب والانضمام إليها حقًا أساسيًا، وتكون القيود استثنائية وقضائية ومتناسبة. ينتهك هذا القانون العضوي بوضوح حرية تكوين الجمعيات، ويستبدلها بنظام التراخيص.

3.    عن إجراءات تأسيس الأحزاب

في العديد من الديمقراطيات، يتم تأسيس الأحزاب السياسية بمجرد الإعلان. وتوجد في بعض الديمقراطيات نصوص تشريعية محددة تنظم إنشاء الأحزاب وعملها (ألمانيا على سبيل المثال). في هذه الحالات، تحدد القوانين – التي تكون محدودة ومحايدة سياسيًا – عمومًا إجراءات التسجيل، والحد الأدنى لعدد الأعضاء والتوزيع الجغرافي، والنظام الأساسي الرسمي، والهيكل الداخلي الديمقراطي، ومتطلبات الشفافية، وعندما يتم استيفاء الشروط، يتم منح الاعتماد عادةً من قِبل لجنة انتخابية أو سلطة (إدارية وليست سياسية) مماثلة.

كان أحد مطالب «الحراك» عام 2019 بالتحديد هو السماح بتأسيس الأحزاب السياسية بمجرد إصدار إعلان. وما يقدمه النظام ردًا على ذلك هو متاهة إدارية جحيمية. ينقسم هذا القانون العضوي إلى عدة مراحل (المادة 13)، مع إجراءات بيروقراطية مرهقة (المادة 16)، وحصص جغرافية وديموغرافية (المادة 21)، ومتطلبات بشأن المؤتمر التأسيسي تشبه تحديًا لوجستيًا (المادة 31). وبالنسبة للراغبين في تأسيس حزب الذين سيتغلبون على جميع العقبات البيروقراطية ويستوفون متطلبات هذا القانون، فإن طلبهم لتأسيس حزب ليس مضمونًا بأي حال من الأحوال، لأن وزير الداخلية وحده هو الذي يقرر «مطابقة» الطلب (المواد 25 و36 و37) – وسنعود إلى هذا الأمر لاحقًا.

عند قراءة القانون، يتضح أن الإجراءات المنصوص عليها في القانون العضوي رقم 26-08 مصممة بوضوح لتثبيط – بل وحتى ردع – المشاركة السياسية للمواطنين.

4.    عن شروط الحوكمة الديمقراطية داخل الأحزاب

تتطلب المواد 16 و18 و41 و42 من الأحزاب أن تكون لها هياكل ديمقراطية، وهو أمر مستحسن. لكن في الممارسة العملية، نرى أن هذه الشروط تخدم النظام بكونها وسيلة رهيبة للسيطرة على هياكل الأحزاب من خلال قوانينها الأساسية. فهذا القانون يُنمِّط التنظيم الداخلي بشكل ضيق للغاية من خلال متطلبات المحتوى (هيكل الإدارة، وعمليات صنع القرار، والقواعد الداخلية)، أي يمثل مخطط توجيهي يتضمن أقسامًا إلزامية، مما يؤدي إلى توحيد معياري غير مباشر. وفي نهاية المادة 18، يدعو القانون الأحزاب المرشحة للحصول على الاعتماد بشكل مباشر إلى استعمال «نموذج من القانون الأساسي» جاهز ومتوفر على المنصة الرقمية لوزارة الداخلية.

ينبغي لمتطلبات الديمقراطية الحقيقية أن تحدد المبادئ العامة (الشفافية، مشاركة الأعضاء) وأن تترك للأحزاب حرية تقرير طريقة تنظيمها ونظامها الأساسي بنفسها. فتنوّع النماذج الداخلية يعكس تنوّع الثقافات السياسية ويساهم في التعددية السياسية. على سبيل المثال، تفضل الحركات الشعبية الهياكل اللامركزية بينما غالبًا ما تختار الأحزاب التقليدية النماذج الهرمية.

توحيد المعايير يقتل التعددية. تمنح الدولة الأحزاب “بسخاء” الحق في إدارة شؤونها بنفسها، بشرط أن تفعل ذلك تمامًا كما طُلب منها. يقتضي القانون تسييرًا ديمقراطيًا لكنه يحدده مسبقًا ومن الخارج، وبطريقة إملائية، وهو تناقض يشبه الهيمنة المقنعة بالديمقراطية. فمن يعرف تاريخ الانقلابات “العلمية” وعمليات الاستنساخ داخل الأحزاب الجزائرية، بتدبير الشرطة السياسية، سيرى في هذا التوحيد المعياري قيودًا للاستعباد.

وأخيرًا، ما يفاقم هذا المشكل هو وجوب تقديم (المادة 16) واعتماد النظام الأساسي في إطار إجراءات التسجيل. وهكذا، لا يتدخل النظام في تحديد بنية الأحزاب المرشحة الداخلية فحسب، بل يمكنه رفض النظام الأساسي لهذه الأحزاب إذا لم يتوافق مع «توقعاته».

5.    عن المالية والشفافية

تفرض الديمقراطيات التزامات صارمة في مجال الشفافية، من خلال الإفصاح عن التبرعات والأصول ونفقات الحملات الانتخابية. وتقوم هيئات رقابة مستقلة بالتحقيق في المخالفات.

ويُشاد بالقانون العضوي رقم 26-08 لحظره التمويل الأجنبي (المادة 75)، وللحدود القصوى المطبقة على التبرعات (المادة 78)، ولإمكانية تتبع التبرعات (المادة 76) التي يفرضها. أما نقطة ضعفه فتكمن في أن جميع التقارير المالية تُرسل إلى وزارة الداخلية (المادتان 81 و82) بدلًا من هيئة انتخابية مستقلة أو هيئة رقابة مالية. فالحكم هنا ليس محايدًا.

فيما يتعلق بمكافحة الفساد ومتطلبات الشفافية، من المُرضي أن القانون ينص على نظام للإعلان (المادتان 81 و82)، لكن الرقابة تعود مرة أخرى إلى السلطة التنفيذية، حيث لا توجد سلطة تدقيق مستقلة مخوّلة للقيام بذلك. وبالتالي، فإن الشفافية تمارس نحو الأعلى (نحو السلطة)، وليس نحو الخارج (نحو المواطنين).

6.    عن الأحزاب والمجتمع

في الديمقراطيات، تُنظِّم الأحزاب مناظرات عامة، وتستخدم جمعيات المجتمع المدني مقرات الأحزاب، وتتفاعل الحركات الاجتماعية والأحزاب باستمرار. وهذا ما يُسمى بالحياة السياسية.

في الجزائر، تمنع المادة 49 من القانون العضوي الجديد الأحزاب السياسية من إيواء اجتماعات مع أي «تنظيم محظور أو أشخاص يمثلون خطرا على النظام العام» في مقراتها، مما يفترض وجود نزعة تخريبية لدى الأحزاب. تنص المادة 49 على فرضية لا جدال فيها – وهي أن الأحزاب السياسية ممنوعة من تنظيم أنشطة غير قانونية – لكنها تفعل ذلك بعبارات غامضة. فلا يوجد لعبارة «خطر على النظام العام» تعريفٌ واضحٌ ويمكن تفسيرها بشكل مطاطي وتعسفي. وفي نظام يسجن الناس بسبب تعليق انتقادي على فيسبوك، يمكن توسيع نطاق هذا التعريف ليشمل جميع الأصوات الانتقادية أو المعارضة أو المنشقة، حتى لو كانت سلمية. ليس الهدف الحقيقي من هذه الصياغة هو إعادة تأكيد منع بديهي لأعمال محظورة، بل هو خلق حالة من عدم اليقين بشأن “الهامش المسموح به” في مجال المشاركة السياسية القانونية، وهو غموض رادع بالضرورة.

علاوة على ذلك، من خلال تقييد استخدام مقارّ الأحزاب بشكل صارم على «الأغراض التي صرح بها» بشكل مفرط، تسعى هذه المادة إلى تقييد غير مبرر للتفاعل الطبيعي بين الأحزاب السياسية والمجتمع المدني. تعمل الأحزاب كمنتديات للنقاش، وبناء التحالفات، والتفاعل مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين. فأي قاعدة تعرقل مثل هذه الاتصالات – سواء بشكل مباشر أو من خلال تأثيرها الرادع – تهدف في النهاية إلى عزل الأحزاب عن الناخبين الذين من المفترض أن تمثلهم.

من الواضح أن هذه المادة القانونية مستوحاة من الأحداث الأخيرة، وهي المظاهرات السلمية لـ«حراك» 2019، حيث فتحت بعض الأحزاب الديمقراطية مقراتها للمتظاهرين حتى يتمكنوا من مناقشة التوجه الذي يجب أن تسلكه حركة الاحتجاج الوطنية، وتبادل فيها المواطنون والمسؤولون السياسيون أفكارهم خارج سيطرة النظام. تردّ المادة 49 على ذلك بدقة ملفتة: لن يتكرر ذلك أبدًا! فهذا تدبير وقائي لمنع أي امتداد سياسي لانتفاضة سلمية قادمة، حيث لا يمكن للأحزاب والمجتمع المدني أن يجتمعوا أبدًا في مكان واحد.

ونجد نفس الحرص على “حماية” الأحزاب السياسية من التأثير المجتمعي السلبي في المادة 54 من هذا القانون التي تمنع الأحزاب من أن يكون لها «أي ارتباط عضوي أو تبعي أو رقابي مع نقابة أو جمعية وكذا أي تنظيم آخر ليس له طابع سياسي، وطنيا أو أجنبيا». تسعى المادة 54 إلى تحقيق هدف يبدو مشروعًا – وهو منع السيطرة غير المشروعة على الأحزاب السياسية أو، بالعكس، منع الأحزاب من السيطرة على النقابات أو منظمات المجتمع المدني – لكن الصياغة المراوغة التي صيغت بها تجعلها موضع شك. فبدون معايير موضوعية أو عتبات واضحة، يمكن أن تشمل مصطلحات «التبعية» و«الرقابة» التعاون المشروع بين الأحزاب والنقابات والجمعيات. فتطبيق هذه المادة هي مسألة تقديرية، مما يبث الشك لدى الأحزاب التي تسعى إلى بناء جسور مع المجتمع المدني. في ظل نظام عسكري متوجّس ومُوَسْوس، فإن هشاشة أي علاقة للاتهام (السياسي) بـ«التبعية» و«الرقابة» تفضي إلى فصل الحياة السياسية عن الحياة الجمعوية والنقابية.

إنه إذن قانون يهدف إلى إقامة نظام تمثل فيه الأحزاب السياسية الشعب، ولكن دون التفاعل معه. وإذا كان المبرر وراء هذه المادة القانونية هو تجنب سيطرة أي جهة على الأحزاب أو «تسييس» المجتمع المدني، فإن نتيجتها هي احتكار النظام للسياسة، باعتباره الفاعل الوحيد الذي يظل على اتصال كامل ودون قيود مع المجتمع.

في الديمقراطيات، غالبًا ما تربط الأحزاب السياسية والنقابات روابط تاريخية، ويؤثر المجتمع المدني على برامج الأحزاب، والحوار مستمر وشرعي، وهذا ليس فسادًا، بل يُسمى تمثيلًا. نرى إذن أن المادة 54 تهدف إلى عزل الأحزاب عن القاعدة، لتحويلها إلى طبقة سياسية محصورة تطفو… بلا جذور. كما أنها تهدف إلى تقييد المجتمع المدني والقوة النقابية، حيث يُحظر عليهما أي تواصل سياسي، ويتلاقى الهدفان لمنع أي احتجاج وطني منظّم.

هناك غرابة أخيرة ملفتة للانتباه في هذا القانون العضوي وهي المادتين 57 و58 اللتين تسمحان بالتحالفات… تحت المراقبة. تسمح هاتان المادتان بالتحالفات بين الأحزاب شريطة أن تلتزم بشروط قانونية صارمة، وإجراءات رسمية، والتزامات بالإخطار المسبق والتصريح، والبقاء ضمن الحدود المفروضة على كل حزب على حدة. وبموجب هذا القانون العضوي، يبدو التحالف أقرب إلى ملف إداري منه إلى عمل سياسي. ومن الواضح أنه بمجرد أن تحاول الأحزاب توحيد قواها، يتدخل القانون لاحتواء هذا التجمع للقدرات السياسية بشكل وقائي.

في الديمقراطيات الحقيقية، التحالفات هي اتفاقات سياسية يتم التفاوض عليها بحرية، ولا تحدد الدولة هيكلها ولا توافق مسبقًا على وجودها. أما عندنا، فإن النظام يتدخل بين الأحزاب التي تحاول التعاون لكبح تحالفها. وبالتالي، فإن التحالف مسموح به شكليًا، لكنه يُثبَّط عمليًا بجعل تشكيله مرهقًا من الناحية الإدارية وهشًا من الناحية القانونية. يمكن القول إن القانون العضوي يتظاهر بتعزيز التعددية والمنافسة الديمقراطية، ليقيّد بعد ذلك إحدى النتائج الطبيعية للتعددية (تشكيل التحالفات)؛ فهو يقبل التنوع – بشرط ألّا يُنظِّم نفسه أبدًا. فالأحزاب السياسية حرة في الاتحاد، بشرط أن يظل اتحادها هشًا بما فيه الكفاية، وخاضعًا للرقابة، وقابلًا للتفكيك.

7.    عن مكافحة التمييز

يجب على الأحزاب – في الديمقراطيات عمومًا – احترام المعايير القانونية العامة مثل عدم التمييز (العرق، الدين، الجنس، اللغة، إلخ). تعزز المادتان 18 و21 من هذا القانون اندماج النساء والشباب في الأحزاب السياسية، وهو تقدّم جدير بالثناء. ومع ذلك، فإن النية المضادة للتمييز في هذه المواد تتعارض مع المادتين 20 و23 اللتين تقننان الإقصاء السياسي على أسس أيديولوجية أو «منع أو تناف» غامض تُرك مبهمًا عمدًا (المادة 20). علاوة على ذلك، في مجتمع يُفترض أنه متعدد، تمنع المادة 8 الأحزاب من «استخدام اللغات الأجنبية»، في حين أن القانون العضوي رقم 26-08 قد نُشر من قِبل المشرِّع بلغة أجنبية، وأن كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في البلاد يتحدثون بلغة أجنبية أثناء أداء مهامهم.

8.    بشأن تعليق نشاط الأحزاب وحظرها

تمتلك الديمقراطيات الكبرى آليات للدفاع عن نفسها، فهي تسمح – من بين أمور أخرى – بحظر الأحزاب لما يكون هناك تهديد مؤكد للديمقراطية نفسها وعلى أساس شروط صارمة، غالبًا ما تقررها سلطات قضائية عليا مستقلة فعليًا (عادةً المحكمة العليا أو الدستورية). ويهدف ذلك إلى ضمان احترام الإجراءات المعتادة، واتخاذ قرارات تستند إلى أدلة، والحماية من التجاوزات السياسية من أجل الحفاظ على النقاش الديمقراطي والعملية الديمقراطية.

تسمح المادة 84 من القانون العضوي رقم 26-08 بتعليق نشاط الحزب بناءً على عتبة منخفضة جدًا من التجاوز، وليس بناءً على فحص دستوري دقيق. وبالتالي، يمكن للإدارة تعليق نشاط حزب ما بمجرد التذرع بـ”انتهاكات” لمبادئ محددة بشكل فضفاض للغاية، أو أي انحراف مفترض عن نظامه الأساسي، أو حتى أي مخالفة مزعومة للقواعد الإدارية التي يفرضها هذا القانون. ولم يُنص على أي رقابة قضائية مستقلة يمكن أن تعمل كـ«درع قانوني»، كما لم يتم وضع أي سبيل انتصاف فعال بعد صدور القرار. وبالتالي، لا شيء يحمي الحزب من توقيف نشاطه لأن لوزير الداخلية صلاحية إصدار القرار بموجب هذه المادة، دون أن يضطر إلى تحديد أسبابه الحقيقية، أو مدته، أو سبل الطعن فيه.

الظاهر أن المادة 85 تبعث على الاطمئنان لأنها تنص على إلزامية التقاضي في أي إجراء لحل الأحزاب. أما الباطن، فيبعث على القلق بسبب تبعية السلطة القضائية للسلطة التنفيذية، وهو ما تلاحظه بشكل دوري لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة،[5] وما يسخر منه الشارع الجزائري بعبارة «قضاء التليفون»[6]. ويبعث أيضًا على الشك، حيث لم تُعطَ أي تفاصيل حول حيثيات هذا المسار – عن إمكانية اللجوء إلى تقاضٍ تبايني للطعن في القرار مثلًا.

تنص المادتان 84 و85 على نظامين مختلفين للعقوبة. توقيف النشاط هو إجراء سريع، وأحادي الجانب، وغير شفاف من الناحية القانونية، في حين أن إجراء الحل بطيء، وقضائي، ومحمي رسميًا إذا افترضنا أن “القضائي” يعني طعنًا يقتضي إجراءات تضمين الطرفين.

من الناحية النظرية، الحل هو العقوبة القصوى، لكن في الممارسة العملية، يؤدي التعليق إلى إنهاء أنشطة الحزب، وإسكاته، وتجميد تنظيمه، ووضعه في مأزق قانوني. لذا، فإن الحزب المعلق هو حزب في طريق الانقراض. ويبدو أن غياب حق الطعن في التعليق هو خيار متعمد وليس ثغرة، لأن هذه «المنطقة الرمادية» مفيدة سياسيًا: فلا حاجة لإثبات صحة التعليق أمام القاضي والمخاطرة بالرفض، ويمكن ترك الحزب في هذه الحالة طالما تطلّبت ذلك الانتهازية السياسية.

تشكّل المادتان 84 و85 نظامًا متوازنًا تمامًا: إذا أراد النظام التظاهر بالشرعية، يلجأ إلى القضاء (المادة 85)، وإذا أراد الفعالية دون أن يثقل نفسه بمثل هذه المظاهر، يلجأ إلى التعليق (المادة 84).

أما المادة 87، فهي توضح الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى الحل، مثل «نشاطات مخالفة لأحكام الدستور»، أو مخالفات لـ«التشريع والتنظيم المعمول بهما»، أو عدم المشاركة في انتخابات مرتين، فضلًا عن أحكام المادة 84. وباستثناء سبب عدم المشاركة في انتخابات مرتين، وهو سبب محدد، فإن بقية الأسباب غامضة ومطاطة من الناحية القانونية، بحيث يمكن تطبيقها حين يمكن استغلال الظرف سياسيًا، مما يزرع حالة من الهشاشة في جميع الأحزاب السياسية. وإذا كان حل الحزب في الديمقراطية إجراءً دستوريًا استثنائيًا، فإن هذه المادة تجعله أمرًا مألوفًا وأداة لإدارة الأحزاب المزعجة. إن التحجج بعدم المشاركة في الانتخابات مرتين هو بالتأكيد مسوّغ محدد، لكنه يظل غير عادل لأن للحزب الحق في مقاطعة الانتخابات، أو الامتناع عن المشاركة فيها لأسباب تكتيكية، أو الطعن في الشروط الانتخابية. وبموجب هذه المادة القانونية، لم تعد المشاركة الانتخابية خيارًا، بل واجبًاً من أجل تعددية بلا معارضة، وانتخابات «حرة» تُحظر مقاطعتها.

وكأن أسباب التعليق والحل ليست بما فيه الكفاية، ومعظمها غامضة بما يكفي لاستغلالها سياسيًا، فقد نص المشرِّع في المادة 88 على قمع الأحزاب بـ«تدابير تحفّظية» غير محددة «في حالة الاستعجال أو خرق للقوانين والتنظيمات المعمول بها»، وذلك دائمًا وفقًا لتقدير وزير الداخلية. وبما أن «الاستعجال» غير محدد، يبدو أن هذه المادة مصممة لخدمة انتهازية النظام السياسية، بحيث تسمح له المادة 88 بتحييد حزب على الفور، ولكن مؤقتًا، دون أن يكلف نفسه عناء إثبات صواب هذا الإجراء أمام قاضٍ. ولكن على عكس التعليق، تنص المادة 88 على حق الطعن القضائي ضد «التدابير التحفظية». ومع ذلك، يبقى أن هذا القانون يكرس الظلم لأنه سريع في التقييد وبطيء في الحماية.

9.    سلطة وزير الداخلية

في الديمقراطيات، مراقبة الأحزاب ليست سياسية، بل هي إدارية ومالية وقضائية. وعادة ما تكون الهيئات الانتخابية المستقلة هي الهيئات التنظيمية الرئيسية، التي تراقب الامتثال لقواعد تسجيل الأحزاب، وسير الحملات الانتخابية، والتزامات الإفصاح (التبرعات، والمالية، والهيكل، والنظام الأساسي، والأنشطة). وتقوم هيئات التفتيش المالي، التي قد تشمل مكاتب تدقيق متخصصة أو وكالات لمكافحة الفساد، بالتحقق من الشؤون المالية والتبرعات للأحزاب. وتقوم المحاكم بالمتابعة القانونية، وتعالج النزاعات والعقوبات والطعون، وتحرص على تطبيق القواعد بشكل عادل ومطابق للدستور. باختصار، فإن الإشراف على الأحزاب مستقل ويستند للقانون، ولا يخضع لسيطرة الحكومة القائمة.[7]

في الجزائر، رأينا في إجراءات إنشاء الأحزاب أن وزير الداخلية هو الذي «يصدر قرار الاعتماد» أو «قرار الرفض» (المادتان 37 و27). صحيح أن الحزب المرفوض يمكنه اللجوء إلى المحكمة المختصة للطعن في الرفض، لكن سلطة الرقابة الافتراضية هي السلطة التنفيذية عبر وزير الداخلية.

وفي القسم السابق، رأينا أيضًا أن وزير الداخلية لديه سلطة فرض «تدابير تحفظية» ضد حزب ما في «في حالة الاستعجال» (المادة 88)، وهي مصطلحات تُترك لتقديره، وأن له سلطة توقيف نشاط الحزب مباشرة (المادتان 83 و84)، وأن له أيضًا سلطة الشروع في إجراءات حل الحزب (المادة 87)، مع إمكانية اللجوء إلى القضاء في حالة التدابير التحفظية والحل، ولكن ليس في حالة التعليق.

من الواضح أن القانون العضوي رقم 26-08 يركّز سلطة مراقبة مفرطة في يد وزير الداخلية، في حين أن سلطة الإشراف في الديمقراطيات تُوزَّع عمدًا على عدة مؤسسات (الإدارة، والهيئات الانتخابية أو التفتيشية، والهيئات المالية، والمحاكم) للحفاظ على منافسة سياسية مفتوحة وآمنة في آن واحد. وبالنظر إلى الصلاحيات التي يمنحها القانون رقم 26-08 لوزير الداخلية، يحق لنا القول إن هذا القانون لا ينظم الإشراف على الأحزاب السياسية، بل يشرع في مراقبتها ووضعها تحت وصاية السلطة السياسية.

في ظل النظام الحالي، تتمتع الأحزاب بحرية التأسيس، شريطة أن تندرج ضمن نطاق أيديولوجي ضيق محدد مسبقًا. وهي حرة في ممارسة نشاطها، شريطة أن تكون قد حصلت على الاعتماد. وهي حرة في التنافس، تحت رقابة إدارية، وحرة في البقاء، شريطة أن تكون مطيعة بما فيه الكفاية. يُنشئ القانون العضوي الذي وضعه تبون «تعددية» خالية من المخاطر، ومنافسة خالية من المفاجآت، وبالتالي «ديمقراطية» في المظهر فقط، دون نقاش حقيقي أو تداول يمكن توقعه بشكل معقول من نظام ديمقراطي حقيقي.

10.الجزائر: أحزاب سياسية في وضع الاستعداد العسكري، باستثناء حزب واحد

لا تعترض هذه المذكرة على مبدأ الإشراف على الأحزاب السياسية، لأنه من الواضح أن الحق في التأثير على الحياة السياسية يقتضي في المقابل مسؤولية الالتزام بالقواعد. ولكن، إذا ما نظرنا إلى أحكام القانون العضوي رقم 26-08 في مجملها، فإنها تُخْضِع الأحزاب لنظام قانوني شامل وصارم من الالتزامات والرقابة والعقوبات، التي يقع تطبيقها في الغالب على عاتق السلطة التنفيذية.

قد يبدو من المفارقات أن هذا القانون قد أقره المجلس الوطني الشعبي (9 مارس 2026)، لأنه يُخضِع الأحزاب التي ينتمي إليها النواب لمراقبة صارمة ويؤدي إلى استضعافهم[8] . أليس هذا انعكاسًا هيكليًا لما ينبغي أن يكون عليه المجلس الوطني؟ لماذا يُشرّع البرلمان تفاهته أو هامشيته؟ غير أن النواب لم ينتخبوا في انتخابات تنافسية حرة ونزيهة، بل وصلوا إلى مناصبهم عن طريق تعيينات زبائنية وتدقيق مسبق من قبل القوة السياسية المهيمنة في البلاد، والمناقشات والتصويت في المجلس ما هي إلا «عرض قانوني» لإظهار «تزييف عميق – deepfake» للديمقراطية أمام العالم. في الواقع، لم يصوت هؤلاء النواب ضد سلطتهم – بل صوتوا بما يتوافق مع مصدر تلك السلطة.

وهذا يطرح السؤال حول هوية هذا المصدر. كيف نسمي القوة السياسية الأكثر نفوذًا في البلاد – غير المعتمدة – التي تُقوْلِب بشكل حاسم قضاياه السياسية؟

لا يمكن تسميتها حزبًا سياسيًا، لأن ذلك سيجعلها غير قانونية.

وعلى عكس الأحزاب، فهي غير خاضعة للالتزام – المنصوص عليه في المادة 31 من القانون رقم 26-08 – بتنظيم مؤتمر، ولا للمواد من 76 إلى 82 المتعلقة بالشفافية المالية. فهي لا تقدّم تقارير، ولا تعلن عن تبرّعاتها ونفقاتها، ولا تبرّر مواردها. إنها الكفاءة بحد ذاتها: لا أوراق، ولا رقابة، ولا متاعب.

تفرض المواد 16 و18 و41 و42 على الأحزاب إثبات وجود حوكمة داخلية ديمقراطية. بينما تتمتع هذه القوة السياسية بنظام عمل ديمقراطي رائع لدرجة أنه لا يحتاج إلى إثبات أو تحقق.

تضع المادتان 49 و54 حواجز بين الأحزاب والمجتمع المدني. في حين تُعتبر هذه القوة المجهولة مرجعًا في هذا الصدد أيضًا. فهي لا تلتزم بشكل واضح تجاه المجتمع المدني. فلماذا التنسيق مع هذا المجتمع بينما يمكن هيكلة الميدان الذي يتطور فيه؟

تحمي المواد من 84 إلى 88 «الديمقراطية» من أي مخالفة للقواعد ومن أي تجاوز حزبي. وهي تنص على التعليق أو الحل أو اتخاذ تدابير تحفظية في حالات الاستعجال، من خلال مزيج دقيق من القبضة الإدارية والرقابة القضائية. لكن الفاعل السياسي الأقوى في البلاد معفي من أي إجراء استعجالي أو قضائي. لا يمكن توقيف نشاطه، لأنه ليس حزبًا رسميًا، ولا يمكن حله، لأنه لا وجود له قانونيًا بصفته هذه.

نرى إذن أن التناقض في تصويت المجلس الوطني الشعبي على استضعاف نفسه يعكس مفارقة السلطة المتخفية سياسيًا. يخضع الفاعلون المعترف بهم صراحةً على أنهم «سياسيون» لرقابة صارمة، في حين تُعتبر القوة التي تمارس التأثير السياسي الأكثر حسمًا غير سياسية، مما يغذي الوهم بأن السلطة لا توجد إلا حيثما يختار القانون أن يراها.

لذلك، فإن للجزائر نظامًا سياسيًا تخضع فيه الأحزاب السياسية لأكثر من مجرد مراقبة، بل للتقييد، في حين أن السلطة السياسية النافذة تتنصل من أي رقابة أو مساءلة، وتظل متخفية، مجهولة الهوية وغير قابلة للتسمية.

11.الكلمة الأخيرة

أظهرت هذه المذكرة بوضوح أن القانون العضوي رقم 26-08، في محاولته للمراقبة المفرطة، كشف في الواقع عما لا يستطيع تسميته. ومن خلال التظاهر بسيادة القانون، كشف عن التسلط بالقانون.

لقد تعلمنا جميعًا من تجربة «الحراك» أنه عند اندلاعه مجددًا، يجب أن تقترن قوته الاحتجاجية بقوة تأسيسية وقوة مقترحات. وفي هذا الصدد، لا ينبغي أن يقتصر موقفه على مجرد رفض هذا القانون، بل يجب إعادة بناء كامل البنية القانونية من الآن، من أجل تعددية سياسية سليمة وانتخابات حرة ونزيهة، لتحل محل البشاعة القانونية التي أنتجتها الديكتاتورية.

دولة مدنية، مشي عسكرية!”


[1] علي عزت بيغوفيتش، «الإسلام بين الشرق والغرب»، منشورات أمريكان تراست، إنديانابوليس 1989، ص. 239.

[2] مادهاف خوسلا، “الحجة الاستبدادية”، مجلة الديمقراطية، المجلد 36، يوليو 2025.

[3] الطوطم هو أي كيان يمثل دور الرمز للقبيلة، وأحيانا يُقّدس باعتباره المؤسس أو الحامي.

[4] حتى يونيو 2021، كان النظام الجزائري يدرج معارضيه السياسيين على القائمة الوطنية للأشخاص الإرهابيين بقرار سياسي من المجلس الأعلى للأمن (حركتي رشاد والماك مثلا يوم 18 مايو 2021). في 9 يونيو 2021، أدخل المرسوم رقم 21-08 المادتين 87 مكرر 13 و87 مكرر 14 من قانون العقوبات، اللتين سمحتا باستحداث «القائمة الوطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية». كما أدخل هذا المرسوم توسيعًا لتعريف الإرهاب ليشمل الأفعال «التي تستهدف أمن الدولة والوحدة الوطنية واستقرار المؤسسات وعملها الطبيعي» أو «تغيير نظام الحكم بوسائل غير دستورية». ويمكن إدراج الأشخاص/الكيانات الخاضعين للتحقيقات الأولية أو الملاحقات الجنائية أو الأحكام القضائية في هذه القائمة. وتتم إجراءات الإدراج عن طريق «لجنة التصنيف» أو عن طريق المجلس الأعلى للأمن. ولم يتم تقديم أي تفاصيل عن أعضاء هذه اللجنة أو أي ضمانة بشأن استقلالية هذه اللجنة عن السلطة التنفيذية. وقد حذر خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا من أن المادة 87 مكرر المعدلة من القانون الجنائي الجزائري تستخدم تعريفًا للإرهاب واسعًا وغامضًا للغاية لقمع المعارضة السلمية والنشطاء والصحفيين.  منذ عام 2021، تم استخدام هذه المادة لتصنيف نشطاء الحراك والصحفيين ومجموعات المعارضة، بما في ذلك حركتي رشاد والماك، بالإضافة إلى أشخاص في المنفى، ووضعهم على القائمة الوطنية للإرهابيين دون أحكام نهائية. (راجع  https://www.ohchr.org/en/countries/algeria )

[5] انظر على سبيل المثال: https://docs.un.org/fr/CCPR/C/DZA/CO/4 .

[6] للإشارة إلى أن القضاة يخضعون للسلطة التنفيذية أو العسكرية التي تملي عليهم تعليماتها عبر الهاتف.

[7] انظر على سبيل المثال منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، دليل النزاهة العامة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، منشورات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، باريس 2020؛ منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، توقعات مكافحة الفساد والنزاهة 2024، منشورات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، باريس 2024؛ المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (International IDEA)، قاعدة بيانات التمويل السياسي، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، 2025؛ لجنة البندقية، المبادئ التوجيهية بشأن تنظيم الأحزاب السياسية (الطبعة الثانية)، مجلس أوروبا، 2020.

[8] يشير التمكين (empowerment) إلى منح المزيد من السلطة للأفراد أو المجموعات، في حين يشير الاستضعاف (disempowerment) إلى العملية العكسية المتمثلة في تجريدهم من السلطة أو النفوذ، وجعلهم ضعفاء وتابعين وخاضعين.