مقالات

من ميثاق حركة رشاد : ‫غياب الشرعية وأزمة الحكم‬

من ميثاق حركة رشاد: غياب الشرعية وأزمة الحكم

إن الأزمة متعددة الأوجه التي تعيشها الجزائر يمكن إرجاعها إلى العوامل التالية:

• الاستيلاء على السّلطة غداة الاستقلال واحتكارها من طرف جزء من هرم القيادة العسكرية، سواء بطريقة مباشرة أو عبر واجهة مدنية خاضعة لهيمنة هذه القيادة؛

• السطو على حزب جبهة التحرير الوطني، التنظيم السياسي الذي قاد ثورة التحرير المجيدة، وتوظيفه لخدمة السلطة الفعلية؛

• إدارة الشؤون السياسية للبلاد بلغة القوة وتصفية كل معارضة لا تقبل الانضواء تحت إرادة السلطة الفعلية – باستعمال كافة الوسائل بما في ذلك الاغتيال؛

• إغلاق المجالات السياسية والإعلامية والاجتماعية والجمعوية؛

• عدم الاعتراف برشد الشعب الجزائري وبقدرته على تحمل مسؤولياته؛

• الرشوة والفساد الناتج عن استحواذ كبار المسؤولين على المجالات الاقتصادية والمالية الوطنية؛

• الضياع الحقيقي للسيادة الوطنية على المستويين السياسي والاقتصادي، رغم شعارات النّظام وتظاهراته الفولكلورية.

ويمكن اعتبار سياسة اغتيال المعارضين، التي طُبقت أثناء ثورة التحرير، والناجمة عن ثقافة فض النزاعات بالطرق العنيفة، كنقطة تحوّل وضعت الشعب الجزائري في قبضة العسكريين. وجاءت تنحية الحكومة المؤقتة في صائفة 1962 لتؤسس لثقافة الانقلاب ولممارسة عنف الدولة. وأصبحت السلطة الحقيقية بيد قادة المؤسّسة العسكرية التي سيطر عليها شيئا فشيئا ضبّّاط سابقون في جيش الحدود وفي الجيش الفرنسي التحقوا قبيل الاستقلال بجيش التحرير. أمّا الحكومات فظلت مجرد واجهة سياسية تنحصر مهمتها في إدارة الشؤون العادية للدّولة، ويبقى الرئيس في هذا الهيكل وسيطا بين الحكومة والسلطة الفعلية المتمركزة في يد جهاز الأمن العسكري.

 ومع مرور الزمن ازدادت الأوضاع احتقانا بسبب استنفاد ذريعة الشرعية التاريخية، وتجاوز الأحداث للاشتراكية ‎التي لم تعد غطاء يُتستر به، وغطرسة رجال الحزب الواحد، وتفشي ظاهرة الرشوة، وإحساس المواطن بالظّلم و “الحقرة”. كل ذلك أدّى إلى انتفاضات عديدة أعنفها أحداث أكتوبر 1988 التي أظهرت الوجه الحقيقي لنظام لم تترد قيادته العسكرية في إطلاق النار على الشباب الأعزل في العديد من المدن الجزائرية متسببين في قتل المئات منهم، وباستعمال التعذيب على نطاق واسع. ولم يُفتح إلى يومنا هذا أيّ تحقيق رسمي لتحديد مسؤوليات الأجهزة المتورطة في هذه الجرائم. ومن خلال هذه الأحداث اكتشف الشعب الجزائري طبيعة السلطة العسكرية وعرف ما يمكن أن تقوم به للبقاء في سدة الحكم والمحافظة على امتيازاتها.

وقد غيّرت هذه الأحداث، التي عبرت عن الغضب الذي يكنه الشعب لحكامه، الخارطة الاجتماعية-السياسية للجزائر بصفة جذرية، حيث فُسح المجال للتعددية الحزبية وفُتحت المجالات الإعلامية والجمعوية. إلا أنه تبيّن أنّ هذا الانفتاح لم يكن إلاّ آلية تمكّن السلطة العسكرية من إبقاء هيمنتها على مراكز القرار، وعمدت السلطة إلى تخريب الأحزاب حديثة النشأة عن طريق الاختراق والتفرقة.

وجاء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات المحلية في جوان 1990 على عكس رهانات السلطة التي لجأت إلى تضييق الخناق على المنتخَبين وتعفين الأجواء السياسية، مما أدى إلى أحداث مايو-جوان 1991. ولجأ النظام مرة أخرى إلى ممارسة القمع، مطلقة النار على المتظاهرين، والزج بقادة ومناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أولى مراكز الاعتقال في الصحراء.

بعد ذلك نظمت السلطة انتخابات تشريعية في ديسمبر 1991، مراهنة على الانشقاق الذي جهدت لإحداثه داخل صفوف المعارضة، وكذلك على مضاعفة عدد الترشيحات الحرة وتواطؤ الأحزاب التي تدور في فلكها. غير أنّ نتائج هذه الانتخابات لم تدع للسلطة العسكرية أيّ مجال للشك في طموح الشعب الجزائري للتّغيير الحقيقي، فجاء انقلاب يناير 1992 إيذانا بحرب قذرة خطط لها الإنقلابـيون وأدخلت البلاد في حمام من الدماء والدموع والخروقات الفظيعة لحقوق النفس البشرية.

وعقب إلغاء الدور الثاني للانتخابات التشريعية اتُّخِذ قرار حل الحزب الفائز واعتقال عشرات الآلاف من أُطره ومناضليه والزج بهم في مراكز الاحتشاد، وممارسة التعذيب والقتل خارج إطار القضاء. ونتيجة لكل هذا العنف، نشأت حركة مقاومة مسلحة.

ومن أجل تحقيق مخطط استئصال حركة المقاومة التي تمخضت كرد فعل على انقلاب يناير 1992، ركّز نظام الانقلابيين على أربعة محاور إستراتيجية:

1. التصفية الجسدية لأطر المعارضة؛

2. اختراق تنظيمات المعارضة؛

3. التجنيد المضاد للمواطنين وتشكيل الميلشيات؛

4. جلب الدعم الدولي لاستئصال وعزل المعارضة على المستوى الدولي.

ولم يكن الهدف من هذه الخطة الداخلة في إطار الحرب المضادة للانتفاضة التي أرادتها مديرية الاستعلامات والأمن إلا ترويض الشعب الجزائري. وبقي القمع طريقة النظام الوحيدة في التعامل مع أيّ معارضة سياسية أو مطالب اجتماعية أو ثقافية.

إنّ التضييق، والتسريح من العمل، والترهيب، والتهجير، والاعتقال السياسي، والتعذيب، والاغتيال أو الإعدام خارج إطار القانون، والإخفاء القسري وكذا المجازر، كل هذا شكّل الوسائل الأساسية التي انتهجتها الطغمة الانقلابية.

و تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان والصحافة واعترافات كبار مسؤولي النظام الجزائري أن “الحرب القذرة” كلفت الشعب الجزائري ثمنا باهظا، كما تدل عليه الأرقام التالية: أزيَد من 200 ألف قتيل، سقط العديد منهم في مجازر جماعية مروعة؛ أزيَد من 18 آلف مغيب قسريا اختطف جلهم من طرف أجهزة المخابرات؛ عشرات الآلاف من المعذبين والمعتقلين؛ أكثر من مليون نازح ومشرد؛ أكثر من 20 مليار دولار من الخسائر المادية؛ مئات آلاف الهكتارات من الغابات التي قُصفت بالقنابل.

لقد دفع الشعب ثمن بطش نظام دكتاتوري لم يتردد لحظة في استعمال الوسائل الإجرامية، في الوقت الذي أظهرت المعارضة بكل أطيافها عدم قدرتها على إحداث التغيير المنشود. كما أدى انحراف العديد من الجماعات المسلحة أو اختراقها من طرف جهاز المخابرات، وتسليح قوات مدنية عرفت باسم “الدفاع الذاتي” من طرف السلطة، إلى إثارة الرعب في أوساط المواطنين وتغييب دولة القانون.

إنّ العديد من الأصوات الحكيمة نادت منذ 1992 بضرورة الحل السياسي الشامل للنزاع في الجزائر والذي يعتمد على مبدأ الحوار وعدم الإقصاء، كما نصت عليه مثلا أرضية العقد الوطني التي وقّعتها معظم القوى السياسية الفاعلة في روما مطلع سنة 1995. غير أن النظام تمادى في سياساته القمعية والإقصائية متجاهلا كل مبادرة جادة للخروج من الأزمة التي تسبب فيها. وفي مقابل ذلك لجأ إلى وصفات مزيفة، مثل “الوئام المدني” في 1999 وامتداده “ميثاق السلم والمصالحة” في 2005. ولا يمكن بأي حال عدّ هذه الوصفات حلاّ للأزمة الجزائرية وذلك لأنها:

• تمجّد مرتكبي الجرائم – غير القابلة للتقادم – ضد الإنسانية وتكرّس سياسة اللاعقاب عبر العفو المطلق وغير المشروط؛

• تحصر طبيعة النزاع في الجزائر في “الإرهاب” و “المأساة الوطنية” وتغض النظر عن هوية المسؤولين عن جرائم الدولة؛

• تجرّم من تصدى لانقلاب 11 يناير 1992 وللقمع الهمجي الذي تلاه؛

• تريد تكميم أفواه ضحايا الاختفاء القسري والتعذيب والإعدامات خارج إطار القانون والمجازر والاعتقال في محتشدات الصحراء؛

• تعاقب المواطنين الجزائريين الذين يُصرّون على ممارسة حقوقهم الدستورية المتمثلة في حرية التعبير واللجوء إلى القضاء، وتحرم البعض منهم من حقوقهم المدنية والسياسية.

ويبقى الجزائريون إلى يومنا هذا يتطلعون إلى حل سياسي شامل لا يتغاضى عن واجب الحفاظ على الذاكرة والحقيقة والعدالة.

(الباب الثالث من ميثاق حركة رشاد الذي نشر سنة 2007)