مقالات

ما هي مآلات الأنظمة الاستبدادية؟

قلم رشيد زياني شريف*

جرت العادة أن تستصدر وكالة الاستخبارات الأمريكية تقارير استشرافية دورية، تبحث فيها وضع العالم بعد عقد أو عقدين أو حتى ثلاثة، ويُستخدَم في هذه التقارير الاستشرافية عدة أدوات وبارامترات، قابلة للقياس، تشمل مختلف بقع العالم، وخاصة القوى البارزة والمنافسة، مثل الصين وروسيا والهند، ثم تخرج بسناريوهات محتملة، من أكثرها تفاؤلًا إلى أكثرها تشاؤمًا. منذ 1997، ينشر المجلس القومي للاستخبارات NIC في الولايات المتحدة، كل 4 سنوات، بحثًا حيويًا، أهميته تتجاوز مجال المتخصصين، يدعو كلّ إدارة جديدة في البيت الأبيض إلى النظر إلى العالم، بما هو أبعد من الحيّز الضيق القاضي بتسيير الشؤون اليومية العادية. وقبل التقرير الأخير الذي صدر تحت عنوان “العالم في 2040، من منظور وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA”، سبقه تقرير “العالم في 2030″ و”تقرير العالم في 2035”. يبحث هذا التقرير الأخير في الاتجاهات الكبرى الحالية للعالم ويطرح تصوّرات وافتراضات على المدى البعيد، تخصّ العالم برمّته. هذه الورقة، لن تتطرق إلى هذه السناريوهات المحتملة التي قد لا تهمّنا بالدرجة الأولى، وليست من أولوياتها، لذا تكتفي بالجزء من التقرير الذي يسلّط الضوء على مجال أكثر حيوية بالنسبة لنا، ويتعلّق بمسألة القوميات، والهويات الوطنية، والتحوّلات التي تشهدها هذه المسألة، والتوتّرات الناشبة عنها.

توتّرات محتدمة بين الهويات الوطنية

يتحدث التقرير عن انتشار موجات الاحتجاجات وسط مكوّنات النسيج الوطني في بعض البلدان، ويُعيد النظر في مفاهيم الهوية الوطنية التي كانت تاريخيًا مصدرًا لتماسك الدولة (القومية) وتقوي اللحمة الوطنية. بصفة عامة، قد تعززت النزعة الوطنية على مرّ عقود من الزمن، لكن في بعض الحالات، تفاقمت أشكال معيّنة من القوميات الإقصائية التي تُقوّض مُثُل القومية المدنية التي تجمع بين مكوّنات المجتمع. وبناءً عليه، سوف تواجه المجتمعات المتنوّعة عرقيًا وثقافيًا هذا النوع من المشاكل. وقد عرفت أشكال القوميات الإقصائية زخمًا في العديد من المناطق، وخاصة تلك التي تعاني من تحوّلات ديموغرافية، ونمو اقتصادي بطيء أو راكد، ويخشى أهلها من فقدان وضعهم الاجتماعي.

يستغل بعض القادة والأنظمة هذه الوضعية لإذكاء النزعة القومية الإقصائية، بغية تعزيز أنظمتهم وسياساتهم. ففي بورما على سبيل المثال، سبّب توقيف مسار التحوّل الديمقراطي الجاري على مدى العقد الماضي، إلى جانب الفقر في مختلف أنحاء البلاد، تفاقم انعدام الأمن، الأمر الذي أدّى إلى تعزيز القومية البوذية وأذكى المشاعر المعادية للمسلمين، بل وحتى العنف ضدهم. وبالمثل، استغلّ زعماء الصين النزعة القومية واسعة النطاق، التي تتّسم غالبًا بكراهية الأجانب، لحشد الدعم لسياسات محدّدة، مثل موقف الصين العدواني في النزاعات الإقليمية.

وفي المستقبل، سوف تواجه العديد من الديمقراطيات خطر المزيد من التآكل أو حتى الانهيار. كشفت دراسة أكاديمية شملت 75 دولة ديمقراطية شهدت انحدارًا كبيرًا منذ 1994، أنّ 60 منها (أي 80%) أصبحت في نهاية المطاف أنظمة استبدادية. لكن هذا التراجع ليس حتميًا، وقد لا يعكس في نهاية المطاف سوى فترة عسيرة في دورة طويلة، تميّزت بمراحل تقدم الديمقراطية وتراجعها، وفي نهاية المطاف توجّه عام نحو توطيدها خلال القرن الماضي.

يواصل التقرير، تستند شرعية الأنظمة الديمقراطية على المدى الطويل إلى شرطين أساسيين: الحفاظ على مسار سياسي عادل وشامل ومنصف، والحصول على نتائج إيجابية بالنسبة للمواطنين. ومن شأن مراعاة ومعالجة انشغالات الناس، فيما يخص مكافحة الفساد، ومعضلة احتكار النخبة، وعدم المساواة، أن يساعد في استعادة الثقة بين الناس وتعزيز الشرعية المؤسسية. بالإضافة إلى ذلك، فإن توفير الخدمات الفعالة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، والأمن الشخصي – وكلها مكتسبات تاريخية للديمقراطيات – يزيد من رضا الناس. وإلى جانب هذه المعالم الأساسية في مجال الحكم، فمن شأن إثبات جدارة وقوة التكيّف والثبات في مواجهة التحديات العالمية الجديدة، أن يساعد في استعادة ثقة الناس والحفاظ عليها. وعلى المدى الطويل، يعتمد تقدّم الديمقراطية أو تراجعها جزئيًا على مدى توازن القوة بين القوى العظمى. إنّ المنافسة الجيوسياسية، بما في ذلك الجهود المبذولة للتأثير على النتائج السياسية في البلدان الأخرى أو دعمها، والنجاح النسبي للنمو الاقتصادي والمنافع العامة، ومدى التنافس الأيديولوجي بين النموذج الديمقراطي الغربي والنظام الاستبدادي التقني الصيني، كلّ ذلك سيحدّد الاتجاهات الديمقراطية في العالم.

هشاشة الأنظمة الاستبدادية

سوف تواجه الأنظمة الاستبدادية نفس المخاطر التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية، وستجد العديد منها صعوبة في التكيّف، مما يجعل التغيير المفاجئ والعنيف للحكومات أكثر ترجيحًا بعد فترة من الاستقرار الظاهري. ورغم المقاومة التي أظهرتها الأنظمة الاستبدادية – من الصين إلى الشرق الأوسط – فإنها تعاني هي الأخرى من نقاط ضعف بنيوية كبيرة: الفساد المستشري، والاعتماد المفرط على المواد الخام، والزعماء الشخصانيين. تشكّل الاحتجاجات الجماهرية تهديدات متزايدة للأنظمة الاستبدادية، حيث أطاحت بعشرة أنظمة بين عامي 2010 و2017، وتمت الإطاحة بـ 19 نظامًا آخر عن طريق الانتخابات التي غالبًا ما تمّ تنظيمها في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية. كان الفساد أحد الدوافع الرئيسية للعديد من الاحتجاجات، مع العلم أنّ الأنظمة الاستبدادية عادة ما تكون أكثر فسادًا من الديمقراطيات. الأنظمة التي تعتمد على المواد الأولية لتمويل شبكات المحسوبية الخاصة بهم وتغذية اقتصادهم، ستكون عرضة لتقلبات الأسعار، خاصة إذا أدّت تحوّلات الطاقة إلى انخفاض أسعار النفط. إنّ الأنظمة الاستبدادية الشخصانية – حيث تتركز السلطة في يد شخص واحد أو مجموعة صغيرة – تميل إلى أن تكون الأكثر فسادًا وعشوائية في عملية صنع القرار، والأقلّ كفاءة في التخطيط لخلافتها، والأكثر ميلًا إلى إشعال الحروب وتكثيف الصراعات. واليوم، أصبح الشكل الأكثر شيوعًا للحكم الاستبدادي هو الحكم الشخصاني، حيث ارتفعت نسبة الدكتاتوريات من 23% في عام 1988 إلى 40% في عام 2016. وتتجه أنظمة أخرى، خاصة في الصين والمملكة العربية السعودية، في هذا الاتجاه.

في محاولتها لخنق موجات السخط الشعبي أو مقاومتها أو معالجتها، تستخدم الأنظمة الاستبدادية أشكالًا جديدة وتقليدية من الإكراه والاستيعاب وإضفاء الشرعية. لقد ساهمت التكنولوجيا في جعل الأنظمة الاستبدادية أكثر استدامة في السنوات الأخيرة، ويعود سبب ذلك جزئيًا إلى التكنولوجيا الرقمية والاتصالات التي تجعل المراقبة أكثر انتشارًا وأقلّ تكلفة. لكن الوجه الآخر، المقابل لهذه الاتجاهات التكنولوجية هو أنها وضعت في أيدي الجماهير الأدوات اللازمة لتجاوز القمع وحواجز المراقبة الرقمية، ومكّنتها من تعبئة المعارضة. وبالإضافة إلى القمع، ستعتمد الأنظمة على وسيلة الاستقطاب لإقناع حلفائها الرئيسيين بالبقاء مخلصين لها، غير أن هذه الديناميكية تعتمد على تدفّقات أكبر للموارد. إلى جانب ذلك، سوف تسعى العديد من الحكومات الاستبدادية إلى ترسيخ شرعيتها الشعبية من خلال تحسين الأداء الحكومي الفعّال ونشر الإيديولوجيات المقنعة. وبفضل مركزية السلطة، قدّمت بعض الأنظمة الاستبدادية إجابات أسرع وأكثر مرونة للتحديات الجديدة، لكن الواقع يبيّن تاريخيًا أنّ الحكومات الاستبدادية عانت من فقر في الإبداع بسبب سوء توزيع واستعمال الموارد. أمّا الأنظمة الاستبدادية التي توفّر الفرص الاقتصادية وتحافظ على الأمن، فباستطاعتها إقناع جماهيرها بأنّ نظامها أكثر ملاءمة لمواجهة تعقيدات وسرعة تطوّر عالم الغد.

* رشيد زياني شريف عضو المجلس الوطني لحركة رشاد